السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

338

مختصر الميزان في تفسير القرآن

بيان : قوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ ، المحاجة إلقاء الحجة قبال الحجة لإثبات المدعي أو لإبطال ما يقابله ، وأصل الحجة هو القصد ، غلب استعماله فيما يقصد به اثبات دعوى من الدعاوي ، وقوله : فِي رَبِّهِ متعلق بحاج ، والضمير لإبراهيم كما يشعر به قوله تعالى فيما بعد : قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ ، وهذا الذي حاج إبراهيم عليه السّلام في ربه هو الملك الذي كان يعاصره وهو نمرود من ملوك بابل على ما يذكره التاريخ والرواية . وبالتأمل في سياق الآية ، والذي جرى عليه الامر عند الناس ولا يزال يجري عليه يعلم معنى هذه المحاجة التي ذكرها اللّه تعالى في هذه الآية ، والموضوع الذي وقعت فيه محاجتهما « 1 » . قوله تعالى : أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ ، ظاهر السياق : انه من قبيل قول القائل : أساء إلى فلان لأني أحسنت اليه يريد : ان احساني اليه كان يستدعي ان يحسن إلي لكنه بدل الاحسان من الإساءة فأساء إلي ، وقولهم : واتق شر من أحسنت اليه ، قال الشاعر : جزى بنوه أبا الغيلان عن كبر * وحسن فعل كما يجزى سنمار فالجملة أعني قوله : أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ بتقدير لام التعليل وهي من قبيل وضع الشيء موضع ضده للشكوى والاستعداء ونحوه ، فإن عدوان نمرود وطغيانه في هذه المحاجة كان ينبغي ان يعلل بضد انعام اللّه عليه بالملك ، لكن لما لم يتحقق من اللّه في حقه الا الإحسان اليه وايتائه الملك فوضع في موضع العلة فدل على كفرانه لنعمة اللّه فهو بوجه كقوله تعالى : فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً ( القصص / 8 ) فهذه نكتة في ذكر ايتائه

--> ( 1 ) . البقرة 258 - 260 بحث في : عبادة الأصنام ؛ احتجاج إبراهيم عليه السّلام مع نمرود .